فخر الدين الرازي

264

تفسير الرازي

فقال : * ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ، ولا خمسة إلا هو سادسهم ، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ، ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ، إن الله بكل شيء عليم ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال ابن جني : قرأ أبو حياة * ( ما تكون من نجوى ثلاثة ) * بالتاء ثم قال والتذكير الذي عليه العامة هو الوجه ، لما هناك من الشياع وعموم الجنسية ، كقولك : ما جاءني من امرأة ، وما حضرني من جارية ، ولأنه وقع الفاصل بين الفاعل والمفعول ، وهو كلمة من ، ولأن النجوى تأنيثه ليس تأنيثاً حقيقياً ، وأما التأنيث فلأن تقدير الآية : ما تكون نجوى ، كما يقال : ما قامت امرأة وما حضرت جارية . المسألة الثانية : قوله : * ( ما يكون ) * من كان التامة ، أي ما يوجد ولا يحصل من نجوى ثلاثة . المسألة الثالثة : النجوى التناجي وهو مصدر ، ومنه قوله تعالى : * ( لا خير في كثير من نجواهم ) * ( النساء : 114 ) وقال الزجاج : النجوى مشتق من النجوة ، وهي ما ارتفع ونجا ، فالكلام المذكور سراً لما خلا عن استماع الغير صار كالأرض المرتفعة ، فإنها لارتفاعها خلت عن اتصال الغير ، ويجوز أيضاً أن تجعل النجوى وصفاً ، فيقال : قوم نجوى ، وقوله تعالى : * ( وإذ هم نجوى ) * ( الإسراء : 47 ) والمعنى ، هم ذوو نجوى ، فحذف المضاف ، وكذلك كل مصدر وصف به . المسألة الرابعة : جر ثلاثة في قوله : * ( من نجوى ثلاثة ) * يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون مجروراً بالإضافة والثاني : أن يكون النجوى بمعنى المتناجين ، ويكون التقدير : ما يكون من متناجين ثلاثة فيكون صفة . المسألة الخامسة : قرأ ابن أبي عبلة ( ثلاثة ) و ( خمسة ) بالنصب على الحال ، بإضمار يتناجون لأن نجوى يدل عليه . المسألة السادسة : أنه تعالى ذكر الثلاثة والخمسة ، وأهمل أمر الأربعة في البين ، وذكروا فيه وجوهاً : أحدها : أن هذا إشارة إلى كمال الرحمة ، وذلك لأن الثلاثة إذا اجتمعوا ، فإذا أخذ اثنان في التناجي والمشاورة ، بقي الواحد ضائعاً وحيداً ، فيضيق قلبه فيقول الله تعالى : أنا جليسك وأنيسك ، وكذلك الخمسة إذا اجتمعوا بقي الخامس وحيداً فريداً ، أما إذا كانوا أربعة لم يبق واحد منهم فريداً ،